التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الولادة الثانية ورحلة العودة إلى الحياة من البعث إلى الخلود.. بقلم أسماء فؤاد


 الولادة الثانية ورحلة العودة إلى الحياة

من البعث إلى الخلود

((بقلم أسماء فؤاد.   ........     ١٣/٩/٢٠٢٦))


من البعث إلى الخلود.. (٢٢٢)/٣+١٣ $@


أحيانًا لا تكون المشكلة في أن الحياة توقفت، وإنما في أننا لم نعد نعرف كيف نعيشها من داخلنا.


نستمر في الحركة، نتعامل، نعمل، نتكلم، نضحك، نغضب، نحب، نكره، نخطط، ونحاول أن نثبت لأنفسنا وللآخرين أننا بخير، بينما في الداخل شيء ما أصبح غير واضح.


وهنا تبدأ الحاجة إلى الولادة الثانية.


الولادة الأولى أعطتنا الحياة، أما الولادة الثانية فهي أن نعود إلى هذه الحياة بعد أن نكون قد عدنا أولًا إلى أنفسنا.


ولذلك، فالرحلة تبدأ من مكان قد يبدو في ظاهره عكس الحياة تمامًا:


العزلة.


البداية: العزلة


أحيانًا تحتاج أن تسحب نفسك من الضجيج.


مش لأنك تكره الناس، ولا لأنك تريد أن تعاقب أحدًا بغيابك، ولا لأنك قررت أن تغلق أبوابك أمام العالم.


لكن لأنك تحتاج أن تسمع نفسك.


قد تحتاج يومًا، أو يومين، أو ثلاثة، تقلل فيهم التواصل قدر الإمكان. لا تدخل في نقاشات، ولا تشرح نفسك، ولا تدافع عن قراراتك، ولا تستقبل آراء الآخرين، ولا تسمح لكل كلمة أن تدخل إلى رأسك وتعيد ترتيب أفكارك بدلًا منك.


تكتفي بالأساسيات: تأكل، تشرب، تنام، تتحرك في حدود الضرورة، لكنك تقلل استقبال الضوضاء.


لأنك أحيانًا لا تسمع صوتك من كثرة الأصوات حولك.


وهنا لازم نفرق بين العزلة الواعية والانسحاب المؤذي.


العزلة الواعية تقول:


«أنا أحتاج أن أسمع نفسي.»


أما الانسحاب المؤذي فقد يقول:


«أنا لا أريد أن أسمع أحدًا، ولا حتى أواجه نفسي.»


العزلة الواعية مؤقتة، لها غرض، ولها اتجاه. أنت تدخلها لكي ترى، وتراجع، وتفهم، ثم تعود.


أما الانسحاب المؤذي فقد يتحول إلى هروب من المسؤولية، أو عقاب للآخرين بالغياب، أو رفض لأي صوت يمكن أن يساعدك، حتى ينتهي الأمر بأن يصبح الشخص سجينًا لما كان يظنه مساحة أمان.


العزلة ليست هروبًا من الحياة.


هي أحيانًا مجرد توقف مؤقت عن استقبال الخارج، حتى تستطيع أن تعود إلى الحياة من مكان أكثر وضوحًا.


وهذه المرحلة تشبه، في معناها، نمو الجنين داخل رحم أمه.


شيء يتكون في الداخل قبل أن يظهر إلى الخارج.


ولهذا أسميها:


الولادة الثانية.


ماذا يحدث عندما أسمع نفسي؟


عندما يهدأ الخارج، تبدأ في مراجعة نفسك.


تراجع أخطاءك.


قراراتك.


علاقاتك.


اختياراتك.


الأشياء التي فعلتها، والأشياء التي لم تفعلها.


تبدأ في عمل جرد حقيقي لنفسك:


ماذا أملك؟


ماذا لا أملك؟


ماذا أعرف؟


ماذا لا أعرف؟


ماذا أستطيع؟


ماذا أحتاج أن أتعلم؟


ما الذي يمكنني تطويره؟


ما الذي يحتاج إلى وقت؟


ما الذي أستطيع أن أبدأ فيه الآن؟


وما الذي يحتاج إلى أساس أبنيه أولًا؟


وهنا تبدأ في رؤية نفسك بشكل مختلف.


لأن تقدير الإنسان لذاته مش البداية؛ البداية أن يرى نفسه بوضوح.


أن يرى نقاط قوته، وأن يرى نقاط ضعفه.


أن يعرف ما يستطيع، وما لا يستطيع.


أن يعرف أين يحتاج إلى مساعدة، وأين يستطيع أن يتحمل مسؤوليته بنفسه.


وهذا ليس شوفونية.


مش معناها أن تقول:


أنا أذكى واحد.


أنا أقدر على كل شيء.


أنا أفضل من الجميع.


أنا أستحق كل شيء.


هذه ليست معرفة بالنفس، وإنما صورة أخرى من صور الوهم.


معرفة النفس أن ترى نفسك كما هي، ثم تعرف ماذا ستفعل بما رأيت.


التقدير الحقيقي ليس تضخيمًا


الإنسان عندما يرى نفسه بوضوح يبدأ في معرفة قيمته.


لكن القيمة هنا ليست غرورًا، وليست محاولة لإقناع نفسك بأنك عظيم مهما فعلت.


القيمة الحقيقية تظهر عندما تعرف ما لديك، ثم تستخدمه.


لأن السؤال ليس فقط:


«أنت ذكي؟»


ولا:


«أنت شاطر؟»


ولا:


«أنت تستحق؟»


السؤال الأهم:


«وماذا فعلت بما تستطيع؟»


قد يقضي الإنسان سنوات يسمع:


أنت ذكي.


أنت جامد.


أنت مجتهد.


أنت تقدر.


أنت تستحق.


ويشعر أن هذه الكلمات تمنحه قيمة.


لكن إذا لم تتحول هذه الكلمات إلى فعل، فقد تصبح مجرد مخدر مؤقت.


والإنسان ممكن يفضل وقتًا طويلًا في الحفاظ على صورة معينة عن نفسه، بدلًا من أن يبني الحقيقة التي تستحق هذه الصورة.


وهنا تبدأ المشكلة.


لأن الصورة لازم تتغير كلما تغير الإنسان.


لو أنت تطورت، لازم صورتك عن نفسك تتطور.


ولو لم تتطور، ستظل تحاول الحفاظ على نسخة قديمة منك، وفي النهاية تظهر المسافة بين الصورة والحقيقة.


الإنسان وسط الدوشة ممكن يضخم حلمه أو يصغره


أحيانًا، وسط الضوضاء، الإنسان لا يرى حلمه كما هو.


ممكن يضخمه حتى يصبح شيئًا مستحيلًا في خياله.


وممكن العكس تمامًا؛ يصغر حلمًا بسيطًا جدًا حتى يشعر أن الوصول إليه معجزة.


والاثنان في النهاية ناتجان عن عدم رؤية النفس بوضوح.


لأن الإنسان لا يقيس نفسه من الداخل فقط.


هو يقيس نفسه بما يسمعه.


بما يراه عند الآخرين.


بما يصفق له المجتمع.


وبما يقال له عن نفسه.


ومع الوقت قد تتحول مطاردة رضا المجتمع إلى مشروع حياة.


لكن هل الإنسان محتاج فعلًا إلى رضا الجميع؟


لا.


لأنك لن تستطيع أن تكون محبوبًا من الجميع.


ولا مرفوضًا من الجميع.


ولا محترمًا عند الجميع.


ولا مكروهًا عند الجميع.


كل إنسان يراك من زاويته هو.


واحد ممكن يراك شخصًا جيدًا.


وآخر يراك شخصًا سيئًا.


وثالث قد يراك بشكل سيئ لأن طريقته هو في رؤية العالم سيئة أصلًا.


فلماذا تجعل مهمتك أن تتحكم في صورة كل شخص عنك؟


حين يصبح الحفاظ على الصورة أهم من بناء الحقيقة


هناك أشخاص ينفقون طاقة هائلة في شرح أنفسهم.


يشرحون لماذا فعلوا.


ولماذا لم يفعلوا.


ولماذا تأخروا.


ولماذا لم يستطيعوا.


وكأنهم في محكمة مستمرة أمام الناس.


لكن أحيانًا كل هذه الطاقة التي تذهب في الدفاع عن الصورة، لو عادت إلى الداخل، كان ممكن أن تبني شيئًا حقيقيًا.


لذلك لا تجعل حياتك كلها محاولة لإثبات أنك الشخص الذي يتخيله الآخرون عنك.


ابنِ نفسك.


ثم دع الصورة تتشكل من الفعل.


اسحب نفسك من مطاردة التأثيرات المؤقتة


أحيانًا يكون جزء كبير من استنزاف الإنسان ناتجًا عن محاولته أن يعرف:


من رآني؟


من أعجب بي؟


من رفضني؟


من فهمني؟


من لم يفهمني؟


من قال عني كذا؟


ومن ماذا يظن بي؟


كل هذا ممكن أن يسحبك بعيدًا عن السؤال الأهم:


أنا ماذا أفعل بنفسي؟


لأنك لو قضيت عمرك في إدارة نظرة الآخرين إليك، قد تنسى أن تدير حياتك أنت.


والإنسان الذي يعرف نفسه لا يحتاج إلى مطاردة كل عين تنظر إليه.


الإنسان قد يحارب نفسه


وأحيانًا لا تكون المشكلة في الآخرين أصلًا.


قد يكون الإنسان هو أول شخص يحارب نفسه.


يقلل من قيمته.


يدفن قدراته.


يخاف من المحاولة.


يمنع نفسه من وضع الحدود.


ثم يتساءل:


لماذا لا يراني الآخرون؟


لماذا لا يحترمون وقتي؟


لماذا لا يقدرون مشاعري؟


لماذا يتعاملون معي وكأنني بلا قيمة؟


لكن إذا كنت أنت لا ترى قيمتك، كيف ستطلب من العالم أن يراها؟


وإذا كنت أنت لا تحترم وقتك، لماذا تتوقع أن يتعامل الآخرون معه باعتباره شيئًا ثمينًا؟


وهنا تبدأ علاقة الإنسان بنفسه في صناعة علاقته بالعالم.


وما تحمله في الداخل يظهر في حضورك


الإنسان يحمل داخله أشياء كثيرة.


رحمة.


سلامًا.


غضبًا.


حقدًا.


غيرة.


انتقامًا.


طمأنينة.


خوفًا.


وكل ذلك يظهر بدرجات مختلفة في حضوره.


ليس بالضرورة كشيء خارق أو قوة غامضة، وإنما في طريقة الكلام، والنظرة، وحركة الجسد، ورد الفعل، وطريقة التعامل مع الناس.


هناك شخص يدخل مكانًا فتشعر براحة.


وشخص يدخل فتشعر أن هناك شيئًا ثقيلًا في الجو.


شخص عنده كاريزما.


وشخص عنده مهابة.


وشخص عنده خفة وروح.


وشخص يحمل ظلمة واضحة في حضوره.


والإنسان الذي يفرح في أذى الآخرين، ويتمنى الشر للجميع، ويستمد قيمته من سقوط غيره، ممكن يوصل إلى آخر صفوف الشر ويقول لك: خلاص، أنا كده أديت واجبي وأتقاعد!


لكن الفكرة الأعمق أن ما يزرعه الإنسان داخله لا يبقى محبوسًا فيه.


يظهر.


في صوته.


في اختياراته.


في علاقاته.


وفي الطريقة التي يتحرك بها داخل الحياة.


الإنسان لا يبدأ من الأبواب المغلقة


الإنسان لم يُخلق فارغًا.


كل إنسان عنده شيء.


جسد.


عقل.


وقت.


ذاكرة.


تجربة.


قدرة على التعلم.


قدرة على السؤال.


قدرة على الاختيار.


وقدرة على أن يتغير.


وقدرة على أن يتقرب إلى الله.


حتى الإنسان الذي يشعر أنه بعيد جدًا، أو مذنب جدًا، أو غير جدير، ما زال يستطيع أن يقوم، ويتوضأ، ويصلي ركعتين، ويسأل الله العون والمغفرة والهداية.


وأحيانًا الإنسان لا يستخدم حتى هذه الإمكانية لأنه أقنع نفسه أنه لا يستحق أن يواجه الله.


وهنا هو لا يعاني فقط من مشكلة خارجية.


هو لا يرى الموارد الموجودة بداخله.


بعض الناس يكتشفون ما لديهم ولا يستخدمونه.


وبعضهم يكتشفه ويستخدمه.


وبعضهم لا يكتشفه أصلًا.


والفرق بين هؤلاء قد يصنع مسارات حياة كاملة.


الإنسان ليس وسيلة للآخرين


أنا لا أرى الإنسان مجرد وسيلة لتنفيذ المهام.


مش مجرد شخص مطلوب منه إنك تقولي له:


تعالى معايا مشوار.


ممكن توصلني.


ممكن تخلص لي حاجة.


أو قم بالدور الذي أنا محتاجاه منك.


ثم تنتهي قيمته عند حدود الوظيفة التي يؤديها.


الإنسان مش مجرد أداة في حياة الآخرين.


الإنسان كائن له مكونات، وقدرات، وميول، وتجارب، وذاكرة، وعقل، وإرادة.


وهذه الأشياء كلها يمكن أن تتحول إلى آليات.


الإنسان يكتشف ما لديه، ثم يطوره، ثم يستخدمه.


ومن هنا تبدأ قدرته على الإنجاز والتأثير.


الإنسان ممكن يحول الحرمان إلى عطاء


فيه ناس عندها طبيعة إنسانية تميل إلى مساعدة الآخرين.


تفرح عندما تساعد.


وتشعر بقيمتها عندما ترى أثرها في حياة شخص آخر.


لكن حتى الألم نفسه ممكن يتحول إلى مصدر للعطاء.


الإنسان الذي ذاق الحرمان، ثم فهمه، ثم سامح، ممكن يحول ما عاشه إلى شيء يعطيه للآخرين.


والغفران من أصعب المعارك الداخلية.


لأنك أحيانًا لا تحارب شخصًا تكرهه فقط.


أنت تحارب جزءًا داخلك ما زلت تقدر قيمته، لكنك تريد أن تغير طريقة تفاعله مع العالم.


فتتحول:


الغضبة إلى فهم.


والألم إلى معنى.


والحرمان إلى عطاء.


والتجربة إلى قدرة على مساعدة شخص آخر.


ومش كل قدرة تحتاج وعيًا كاملًا لكي تظهر


مش كل شيء عند الإنسان يحتاج إلى تحليل طويل لكي يظهر.


فيه أشياء ربنا يضعها في الإنسان كميل طبيعي.


وفيه أشياء لا تظهر إلا عندما يكتشفها ويطورها.


والفرق مهم.


لأن الإنسان قد يكون عنده شيء جميل جدًا، لكنه لا يعرف كيف يستخدمه.


وقد يكون عنده قدرة، لكنه لم يضعها في المكان الذي يناسبها.


وهنا لا تكون المشكلة دائمًا في غياب القدرة، وإنما في غياب اكتشافها أو حسن توظيفها.


حين تتوافق القدرة مع الميل الإنساني


الدكتور مجدي يعقوب، الله يديله الصحة، مثال واضح بالنسبة لي على التقاء أكثر من شيء في مسار واحد.


إنسان عنده ميل إنساني إلى مساعدة الناس، وعنده عقل علمي، وعنده قدرة، وتعلم، وتجربة، وبيئة، وثقافة، ثم اختار مجالًا يلتقي فيه كل هذا.


القلب نفسه، ذلك العضو الذي يضخ الحياة في الجسد، أصبح محورًا لمسار مهني وإنساني كامل.


وهنا تظهر نقطة مهمة:


الكفاءة لا تعني بالضرورة الموهبة.


ممكن تكون كفء في شيء، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه الشيء الذي وُلدت لتبدع فيه.


وأحيانًا يكون الإنسان محظوظًا أو مباركًا عندما تتوافق قدرته مع ميله الإنساني، فيختار المجال الذي يشبهه، ثم يبدع فيه، مش يبدأ فيه فقط.


حتى الطريق الصعب، عندما يكون في مكانه الصحيح، قد يصبح أهون.


ممكن يبكي.


ممكن يتعب.


ممكن يقول: أنا مش قادر.


ثم يرجع يقول:


هنكمل.


وهذه في حد ذاتها رحمة من ربنا.


وفي الاتجاه المعاكس


وفي الاتجاه الآخر، ممكن الإنسان يقضي عمره في مكان لا يشبهه.


يؤدي.


وينجح أحيانًا.


ويحصل على تقدير.


لكن يظل هناك شيء ناقص.


لأن الكفاءة وحدها لا تكفي دائمًا لصناعة المعنى.


وهنا نعود مرة أخرى إلى السؤال الأول:


من أنا؟


وليس فقط:


ماذا أريد؟


المعمل الداخلي


أنا عندي معمل.


المعمل ده هو أنا.


فيه تجاربي.


حبي.


كرهي.


الحاجات اللي بتستفزني.


الحاجات اللي بتخوفني.


الحاجات اللي بتفرحني.


الحاجات اللي بتوجعني.


الحاجات اللي بتحركني.


والحاجات اللي بتوقفني.


ولا أحد يعرف هذا المعمل بالكامل.


حتى أقرب الناس إليك لا يعرفونه كله.


وأحيانًا أنت نفسك لا تعرفه كله.


وهنا تأتي العزلة مرة أخرى.


لأنك تحتاج أن تدخل هذا المعمل.


وتسأل:


لماذا أنا أتصرف هكذا؟


لماذا هذا الشيء يخوفني؟


لماذا هذا الشخص يستفزني؟


لماذا أهرب هنا؟


ولماذا أتحرك هناك؟


ما الذي يحركني فعلًا؟


وما الذي يعطلني؟


وأحيانًا فكرة تظهر في رأسك


ممكن فكرة تظهر في دماغك كاحتمال.


مش شرط تكون وعدًا بالتنفيذ.


لكن ظهورها في حد ذاته قد يقول إن عندك قدرة على تخيل هذا المسار.


فلا تصدق الفكرة فورًا.


ولا تقتلها فورًا.


افحصها.


واسأل:


ما القدرة التي جعلتني أستطيع تخيل هذا أصلًا؟


هل عندي منها شيء؟


هل أحتاج إلى تطويرها؟


هل هذه الفكرة تمثلني فعلًا؟


أم أنها مجرد صورة أعجبتني؟


وهنا تتحول الفكرة من مجرد خيال إلى أداة لاكتشاف الذات.


لا تبحث عن نفسك في الخارج فقط


أحيانًا الإنسان يفتش عن نفسه في الأشياء.


فلوس.


عربية.


بيت.


منصب.


حب.


شكل اجتماعي.


عدد الناس الذين يعرفونه.


مقدار إعجابهم به.


لكن السؤال الحقيقي ليس:


ماذا أريد؟


فقط.


السؤال قبل ذلك:


من أنا؟


و:


ماذا أملك؟


لأنك ممكن تريد شيئًا لمجرد أن صورته جميلة في عين المجتمع.


وممكن تطارد شيئًا لأنك رأيته عند غيرك.


وممكن تتصور أن السعادة موجودة في امتلاك شيء، بينما أنت في الحقيقة تبحث عن معنى آخر خلفه.


لذلك اسأل نفسك:


لماذا أريد هذا؟


ماذا سيعطيني؟


هل هو هدفي فعلًا؟


أم صورة ورثتها عن الحياة؟


وبعد أن أعرف نفسي، أعرف ما أريد


لما تعرف نفسك، تبدأ رغباتك في التغير.


تبدأ تفرق بين الشيء الذي تريده فعلًا، والشيء الذي كنت تظن أنك تريده.


وتبدأ تفهم أن الشغف الأكبر أحيانًا يحتاج مجهودًا أكبر، لكنه يحمل وزنًا أكبر، وأثرًا أطول، ومدى أبعد.


لأن الشغف الحقيقي ليس مجرد إحساس جميل.


هو علاقة بينك وبين شيء ترى أن وجودك فيه له معنى.


وهنا تبدأ في بناء قيمتك من الداخل، بدلًا من قياسها بما تملك في الخارج.


الوقت أيضًا يحتاج مراجعة


أحيانًا تقول:


أنا لا أستطيع أن أنجز، لأن ليس عندي وقت.


لكن اسأل نفسك:


الوقت ده أنا بضيعه فين؟


كم ساعة نوم؟


كم ساعة في الهاتف؟


كم وقت في مراقبة الآخرين؟


كم وقت في الدفاع عن نفسك؟


كم وقت في علاقات تستنزفك؟


كم وقت في أشياء لا تضيف لك شيئًا؟


كم وقت في محاولة إثبات صورة معينة عن نفسك؟


الوقت مش دايمًا هو المشكلة.


أحيانًا النظام الذي ندير به الوقت هو المشكلة.


لما تنظم نومك، وترتب أولوياتك، وتعرف أين تذهب طاقتك، تبدأ تكتشف أن عندك وقتًا أكثر مما كنت تظن.


الإنسان يعرّف نفسه في كلمة


في لحظة ما، حاول أن تعرف نفسك في كلمة واحدة.


مش كلمتين.


مش جملة.


ومش مقالًا عن نفسك.


كلمة.


ممكن تقول:


أسد.


ثم تسأل نفسك:


أنا عشان أبقى أسد، إيه المطلوب مني؟


هنا الكلمة تتحول من صورة إلى مسؤولية.


لأنك عندما تسمي نفسك شيئًا، يجب أن تسأل:


هل أعيش بما يناسب هذا الاسم؟


هل أتحمل مسؤوليته؟


هل أتصرف وفقه؟


وهنا تبدأ الهوية الحقيقية.


الأسد يحكم نفسه


الأسد الحقيقي لا يحتاج أن يعلن طوال الوقت أنه أسد.


لأنه يحكم نفسه أولًا.


وأنا أفرق بين:


أن يتحكم الإنسان في نفسه


و:


أن يحكم نفسه.


التحكم ممكن يحمل معنى القمع.


أما الحكم، ففيه إدارة وتوازن.


أن تعرف متى تغضب، ومتى تهدأ.


متى تقول نعم.


ومتى تقول لا.


متى تدخل.


ومتى تنسحب.


متى تتكلم.


ومتى تصمت.


كيف تدير مشاعرك.


كيف تدير أموالك.


كيف تدير عملك.


كيف تدير وقتك.


كيف توازن بين راحتك ومسؤولياتك.


الإنسان الذي يحكم نفسه لا يحتاج كل مرة أن يعلن حدوده.


حضوره نفسه يبدأ في توصيلها.


وكأن هناك درعًا غير مرئي حوله.


ليس لأنه يخيف الناس، وإنما لأنه يعرف أين يقف.


من الداخل إلى الخارج


كل شيء يبدأ من الداخل.


الحالة الداخلية تتحول إلى اعتقاد.


والاعتقاد يتحول إلى التزام.


والالتزام يظهر في الفعل.


والفعل يظهر في الحركة.


في النفس.


في طريقة الكلام.


في القرار.


وفي الحضور.


وهنا لا تعود محتاجًا إلى شرح نفسك طوال الوقت.


لأن ما في الداخل بدأ يظهر في الخارج.


والإنسان الذي يعرف نفسه لا يخاف من السقوط بنفس الطريقة


معرفة النفس لا تعني أنك لن تسقط.


أنت ستقع.


وتقوم.


تقع وتقوم.


تتعلم.


وتعيد المحاولة.


لكن الفرق أنك لن ترى كل سقوط باعتباره نهاية الطريق.


لأنك أصبحت تعرف كيف تعود إلى نفسك.


وتعرف كيف تراجع ما حدث.


وأين كنت واقفًا.


وما الذي تغير.


وما الذي تستطيع أن تفعله من هنا.


مش كل نتيجة سيئة معناها أنك السبب الوحيد فيها.


هناك دائمًا متغيرات خارجية.


وأشياء لا تملكها.


وظروف لا تتحكم فيها.


لكن السؤال يظل:


أنا كنت ببدأ منين؟


و:


دلوقتي أقدر أعمل إيه؟


كل شيء له وقته.


وكل مشكلة لها مدخل.


وكل طريق مغلق لا يعني بالضرورة أن الحياة انتهت.


أحيانًا أنت فقط تحتاج أن تعود إلى نقطة البداية، لكن بعين مختلفة.


من هنا يصبح الإنسان فاعلًا


وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.


أن ترى.


ثم تختار.


ثم ترتب.


ثم تتحرك.


أن تعرف أنك حر ومستقل، وأن الآخرين ممكن يساعدوك، لكنهم لا يستطيعون أن يعيشوا حياتك بدلًا منك.


لا أحد يستطيع أن يحمل مسؤوليتك بالكامل.


ولا أحد يستطيع أن يختار عنك.


ولا أحد يستطيع أن يعيش التجربة نيابة عنك.


المساعدة موجودة.


لكن المسؤولية تظل لك.


وهنا ينتقل الإنسان من مجرد شخص يتلقى الحياة إلى شخص يشارك في صناعتها.


من مفعول به إلى فاعل.


الولادة الثانية


الولادة الثانية ليست لحظة سحرية.


هي رحلة.


تبدأ عندما تسحب نفسك من الضجيج لكي تسمع نفسك.


وتسمع نفسك لكي ترى نفسك.


وترى نفسك لكي تعرف ما تملك وما لا تملك.


وتعرف ما تملك لكي تقدر نفسك تقديرًا حقيقيًا.


وتقدر نفسك لكي تعرف ما تستطيع.


وتعرف ما تستطيع لكي تختار.


وتختار لكي ترتب.


وترتب لكي تتحرك.


وتتحرك لكي تنجز.


وتنجز لكي تصبح فاعلًا.


وتصبح فاعلًا لكي يكون لما وهبك الله إياه أثر يتجاوزك.


وهنا تبدأ العودة.


من البعث إلى الخلود


الإنسان لا يعيش فقط لكي يمر يوم آخر.


ولا لكي يظل مجرد شخص يؤدي أدوارًا في حياة الآخرين.


ولا لكي يقضي عمره في مطاردة رضا الناس.


ولا لكي يحمل صورة جميلة عن نفسه دون أن يبني حقيقتها.


الإنسان يعود إلى الحياة عندما يعود إلى نفسه.


يعرفها.


يرى ما فيها.


يعرف ما ينقصها.


يكتشف ما وهبه الله له.


ثم يختار ماذا سيفعل بهذا كله.


ومن هنا تبدأ الولادة الثانية.


ومن هنا تبدأ رحلة العودة إلى الحياة.


ومن البعث...


إلى الخلود.


ليس خلود الجسد، وإنما خلود الأثر.


أن يكون لما عشته، وتعلمته، وبنيته، وأعطيته، أثر يتجاوز حدود عمرك.


أن تترك في الحياة شيئًا يقول:


مرّ من هنا إنسان، فعرف نفسه، وحكمها، واختار، وتحرك، وكان لوجوده معنى.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التطوير العقاري

    مفهوم التطوير العقاري   التطوير العقاري هو عملية تحويل الأراضي الخام أو المباني القديمة إلى عقارات قابلة للاستخدام. ويشمل ذلك شراء الأراضي أو المباني والتخطيط والتصميم والبناء والتسويق وبيع أو تأجير العقارات .   ويلعب التطوير العقاري دورًا مهمًا في الاقتصاد، حيث يساهم في خلق فرص العمل وزيادة الاستثمارات وتحسين جودة الحياة .   ويمكن تصنيف التطوير العقاري إلى نوعين رئيسيين :   التطوير العقاري السكني: ويشمل بناء وبيع أو تأجير الشقق والفيلات والعمارات السكنية . التطوير العقاري التجاري: ويشمل بناء وبيع أو تأجير المكاتب والمحلات التجارية والمولات التجارية والفنادق والمراكز الترفيهية . وهناك أيضًا أنواع أخرى من التطوير العقاري، مثل التطوير العقاري الصناعي والتطوير العقاري الزراعي والتطوير العقاري السياحي .   وفيما يلي بعض مراحل التطوير العقاري :   دراسة السوق: في هذه المرحلة، يقوم المطور العقاري بإجراء بحث شامل عن السوق العقاري لتحديد أفضل موقع للمشروع ونوع العقار الذي يلبي الطلب في السوق . الحصول على التمويل: يحتاج ال...

مراحل تطور الإدارة العامة (1)

الجزء الأول :  سوف نتطرق فى بحثنا هذا وفى هذا الجزء بالتحديد  إلى التعريف بفهموم الإدارة كجملة حتى يتسنى لنا إستخلاص تفصيل لمفهوم الإدارة العامة والبحث فى مراحل تطورها ,, أولاً : مفهوم الإدارة: تقتضى الحاجة العلمية لأي موضوع من الموضوعات العناية بتحديد مسميات الألفاظ والمفاهيم المستخدمة، وللإدارة معنيان: أحدهما لغوي ، والآخر فني (اصطلاحي). معنى الإدارة Administration في اللغة: تقديم الخدمة للغير ، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية minister tad المكونة من مقطعين ، أي تقديم العون للآخرين. كما تعني الترتيب والتنظيم الخاص الذي يحقق أهدافاً معينة، كما تعني الإدارة النظام أو الانتظام ، فالإدارة الناجحة سر نجاح الدول في كل مكان وزمان ، وما سادت الحضارات إلا بالإدارة فكرا وتطبيقا، وما بادت إلا بالفوضى، وهذا نقيض للإدارة لأن الإدارة تعني النظام أو الانتظام. معنى الإدارة في الاصطلاح (فني): تعريف الإدارة من الأمور التي ليس هناك إجماع على تحديدها، ويتضح ذلك من خلال استعراض عدد من التعريفات ، ذلك لأن الإدارة من العلوم الاجتماعية ، ولأن مفهومها واسع ، ولأنها ليست مجرد مصطلح ، وإنما...

هكذا يجب أن نكون .. صادقين .. هذه البداية

من الصفات المقدسة فى طبيعة العلاقات بين الخلائق هو الصدق، فوجود الصدق يقوى الترابط والألفة والراحة بين القلوب ويعزز الإيمان، وكلما ابتعد المرء عن الصدق اهترئت العلاقة وذبلت كل المعانى الجامعة التى تربطه بأى شىء صحيح، وضاعت كل الصور النقية فى مستنقعات الشيطان، وسبحان الله فإن الصدق من الصفات الحميدة التى تجدها بدايات لكل خير وسلامة، ولا سلامة أفضل من سلامة الروح والنفس من السوء . إن الصدق علامة الهدى و الإيمان وإلزامُ للتقوى فيقول الله تعالى فى كتابه الكريم: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}[ التوبة 119] فقد أمر الله للمؤمنين الذين آمنوا به وبرسوله حق الإيمان بأن يتقوا ويصدقوا فيكونوا من الصادقين وهذا هو شرط الإيمان، أن تتقى الله وتصدق القول والفعل.   ويقول روسولنا الحبيب المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) : "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ". وها هو ن...