سلبُ الاختيار: انتحارٌ وليس انتصارًا
لم أكن أريد أن أترك له حريته؛ لأن حريته لم تكن يومًا عندي حتى أتركها له.
لم يكن الأمر في أن أترك له حرية الاختيار، وكأن الاختيار مساحة أمتلك مفاتيحها، فأفتحها له حين أريد، أو أغلقها حين أخشى ما قد يختاره.
فالاختيار ليس هبة تُمنح، ولا ترقية يستحقها الإنسان حين يُحسن، ولا عقوبة تُسلب منه حين يخطئ.
الاختيار أعمق من ذلك بكثير.
إنه حق دفين في الإنسان، نابع من وجوده نفسه؛ حق لا يملكه مخلوق آخر حتى يمنحه أو يصادره. فمنذ أن يصبح للإنسان وعيٌ بذاته، يصبح له، في جوهر وجوده، حق أن يرى، وأن يريد، وأن يختار، وأن يتحمل ما يترتب على اختياره.
لا أحد يستطيع أن يقرر عن إنسان مصير حياته، إلا بالقدر الذي يسمح فيه الإنسان نفسه بأن يتنازل عن هذا الحق.
ولهذا، لم أكن أحاول أن أعطيه حريته، وإنما كنت أحاول ألا أقف في المساحة التي هي له أصلًا.
أن أترك القرار حيث ينبغي أن يكون: في داخله.
أن يقترب من نفسه بما يكفي ليسألها: ماذا أريد؟
ثم أن يملك الشجاعة لأن يسمع الإجابة، لا لأن أحدًا دفعه إليها، ولا لأن أحدًا خاف من إجابة أخرى.
فالإنسان لا يختار ما يتناغم مع رغبات الآخرين في تحديد مصيره؛ هو يختار ما يراه، بعد وعيه وتجربته، أكثر اتساقًا مع حياته التي يريد أن يعيشها.
وهنا يصبح الاختيار أكثر من مجرد قرار.
يصبح إعلانًا هادئًا عن امتلاك الإنسان لحياته.
أن يقول:
هذه حياتي، وهذا ما أريده، وهذا اختياري، وأنا من سيتحمل ما يأتي بعده.
وربما لهذا كان الحب، حين يدخل إلى هذه المساحة، اختبارًا بالغ العمق: هل نحب الإنسان بما يكفي لأن نتركه صاحبًا لمصيره، أم نريد منه أن يختارنا حتى لو اضطررنا إلى أن نختار عنه؟
لأنني إن كنت أريد أن يختارني، فلا بد أولًا أن أحتمل حقيقة أنه هو من يجب أن يختار.
وهذا هو الفارق بين أن أحب إنسانًا، وبين أن أريد امتلاكه.
أنا لا أمنع حريته؛ أنا فقط أترفع عن أن أضع يدي على حق هو له منذ البداية.
وأنا أريده.
أريده جدًا.
وسيوجعني إن لم أكن أنا اختياره.
هذه الحقيقة لا أحتاج إلى إنكارها حتى أبدو أكثر قوة أو أكثر تحررًا.
أنا أحبه، وأتمنى أن يختارني، وأعرف أن غيابي عن اختياره سيؤلمني.
لكن ألمي لا يمنحني حق أن أختار عنه.
ولا رغبتي فيه تمنحني حق أن أدفعه نحو قرار أريده أنا.
لأنني إذا فعلت ذلك، فلن أكون قد أحببت حريته، بل سأكون قد استخدمت حريته للوصول إلى النتيجة التي أريدها.
وهنا يصبح الحب شيئًا آخر تمامًا.
شيئًا يشبه الامتلاك، حتى لو ارتدى ثوب الاهتمام.
ولهذا، قد يكون أصعب أشكال الحب أن تظل قادرًا على قول:
أريدك، لكنني لا أريد أن أمتلك قرارك.
أريد أن يكون لي مكان في حياتك، لا أن أصنع لك الحياة التي ينبغي أن تختارها.
أريد أن أكون اختيارًا صادرًا منك، لا نتيجةً صنعتها مخاوفي أو ضغوطي أو قدرتي على التأثير فيك.
فربما يكون أعظم ما يمكن أن أقدمه لمن أحب ليس أن أدفعه نحوي، وإنما أن أترك له المساحة التي يستطيع فيها أن يسمع نفسه.
الصمت الذي لا يعاقب.
والقرب الذي لا يطالب.
والكلمة التي لا تحمل خلفها امتحانًا.
أن أقول ما أشعر به دون أن أجعل اعترافي به أداةً لإجبارك على شيء.
أن أكون صادقة دون أن أحوّل صدقي إلى عبء عليك.
وأن أترك لك، رغم كل ما أشعر به، الحق في أن تكون صادقًا مع نفسك أيضًا.
الحب والحرية
الحب والحرية لا يتعارضان، إلا حين نخلط بين العطاء العاطفي والامتلاك الخانق.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة:
كيف يمكن للمرء أن يستميت في رغبته في إنسانٍ ما، وفي الوقت نفسه يتنازل عن أداة وصله به، ويتركه حرًا في قراره؟
أن أريدك، ثم أترك لك حق أن تريد أو لا تريد.
أن أتمنى أن تكون لي، دون أن أحاول أن أجعلك لي.
أن أكون حاضرًا في حياتك، دون أن أضع يدي على المساحة التي يجب أن تظل لك وحدك:
مساحة الاختيار.
وهنا تحديدًا يتغير معنى الحب.
فالحب الحقيقي ليس «خلاصًا» ننقذ به الطرف الآخر من عجزه، ولا مشروعًا لإعادة تشكيله حتى يصبح قادرًا على أن يحبنا بالطريقة التي نريدها.
الحب الحقيقي هو إضافة تليق بإنسان استعاد سيادته على ذاته ومصيره؛ إنسان يعرف ما يريد، ويملك شجاعة أن يختاره، ثم يتحمل مسؤولية ما اختار.
أنا لا أريد أن أكون خلاصه.
لا أريد أن أكون اليد التي تنتشله من عجزه، ثم تطلب منه مقابل ذلك أن يختارها.
أستطيع أن أكون إضافة.
كلمة تفتح سؤالًا.
دفئًا يذكّره بأنه ما زال قادرًا على الشعور.
كتابًا أو جملةً أو حضورًا يجعله يرى شيئًا في نفسه لم يكن يراه.
لكنني لا أريد أن أكون الإجابة التي يعيش من أجلها.
أريد أن أراه واقفًا على قدميه، وقد استعاد علاقته بنفسه، ثم يقول:
هذه حياتي.
وهذا قراري.
وهذه مسؤوليتي.
أما الاختيار الذي تحركه المخاوف، أو تستدرجه الضغوط، أو يُستجدى بالعاطفة، أو يُنتزع بالمكر والخداع، فليس حرية كاملة؛ بل قد يكون مجرد قناع ناعم للسيطرة.
لأنني حين أدفعك إلى اختياري، قد أحصل على النتيجة التي أريدها، لكنني أفقد معها المعنى الذي كنت أريده أصلًا.
أنا لا أريد أن تختارني لأنك خائف من خسارتي، ولا لأنني جعلت عدم اختياري مؤلمًا إلى الحد الذي لم يعد أمامك معه إلا الاستسلام.
أريد أن يكون اختيارك نابعًا منك.
أن تصل إلى نفسك، وترى ما تريد، ثم تقول دون أن يدفعك أحد:
هذا ما أريده.
وهذه حياتي.
وهذا اختياري.
ولهذا، فإن إعطاء الاعتبار لحرية الإنسان وكرامته الوجودية، حتى داخل أشد عواطفه حميمية، ليس تنازلًا عن الحب، ولا برودًا تجاهه؛ بل ربما يكون أسمى معاني الحب.
أن أحبك دون أن أمتلكك.
أن أترك لك حريتك لا لأنني لا أريدك، بل لأنني أريدك إنسانًا كاملًا، لا نتيجةً صنعتها رغبتي.
وربما لهذا يكون الحب الناضج قادرًا على أن يقول:
اذهب إلى نفسك أولًا، واختر منها، ثم تعال إليّ إن وجدتني هناك.
وربما لهذا تعلمت أن الغفران لا يعني أن نمحو ما حدث، ولا أن نمنح الخطأ حصانة من المساءلة.
أن أفهم الإنسان لا يعني أن أبرر له ما فعل، وأن أرى خوفه لا يعني أن أبرئ أثره فيّ.
يمكن للقلب أن يغفر، بينما يظل العقل محتفظًا بحقه في أن يقول:
كان هذا خطأ، ولن يصبح صحيحًا لمجرد أنني فهمت كيف حدث.
فالغفران عندي ليس بابًا للعودة إلى الفعل نفسه، وإنما تحرير للماضي من أن يظل صاحب السلطة على الحاضر.
أما إذا جاء الاختيار واضحًا، فله بعد ذلك ما له من مسؤولية:
صدق، وحضور، وحدود، والتزام، وقدرة على تحمل تبعات ما اختاره الإنسان.
فالحب لا يعفي الإنسان من مسؤوليته تجاه من يحب.
بل ربما يزيدها.
لأنك حين تختار إنسانًا بحرية، لا يعود لك أن تتعامل معه كما لو كان نتيجةً لظرف أو ضغط أو احتياج.
لقد اخترته.
ولهذا عليك أن تتحمل اختيارك.
ولعل الحب، في أنقى صوره، لا يحتاج إلى أن يُستدرج، ولا أن يُستجدى، ولا أن يُنتزع من بين يدي الخوف.
فما يأتي بالمكر لا يشبه ما يأتي بالرغبة.
وما يُنتزع بالضغط لا يشبه ما يُمنح عن يقين.
وما يُصنع بالخداع قد يبدو في لحظته اختيارًا، لكنه يظل يحمل في داخله أثر اليد التي دفعته.
الحب الحقيقي ليس شعورًا وحيدًا، ولا قرارًا منفصلًا عنه؛ هو أن تلتقي في الإنسان مشاعره بحريته.
أن يشعر، ثم يعرف أن ما يشعر به ليس عيبًا يحتاج إلى إنكاره، وأن رغبته ليست شيئًا يحتاج إلى أن يستأذن أحدًا في وجوده.
ثم، بعد أن يرى ما في قلبه، يملك أن يقول:
هذا ما أريده.
وهذا ما أختاره.
وهذه حياتي، وأنا مستعد لأن أتحمل ما يترتب على اختياري.
وربما هنا تحديدًا يصبح الحب امتحانًا للإنسان، لا للآخر.
فليس السؤال فقط:
من أحب؟
بل:
هل أملك نفسي وأنا أحب؟
لأن الإنسان حين يشعر بشيء صادق، ثم يسلم حق اختياره لمن حوله، لا يكون قد ترك الحب فقط؛ ربما يكون قد ترك جزءًا من حقه في أن يكون صاحبًا لحياته.
كأنه لم يعد يرى نفسه جديرًا بأن يقول:
هذا مصيري، وأنا من يختار الطريق إليه.
ومن هنا، فإن أعمق ما يمكن أن يمنحه الحب للإنسان ليس أن يحصل على من يحب، وإنما أن يستعيد نفسه وهو يحب؛ أن يعرف أن الشعور يمكن أن يكون صادقًا دون أن يتحول إلى قيد، وأن الرغبة يمكن أن تكون عميقة دون أن تتحول إلى استجداء، وأن الاختيار لا يصبح حبًا كاملًا إلا حين يكون صاحبه قادرًا على أن يقوله من داخله، لا لأن أحدًا دفعه إليه.
وربما لهذا، لم أكن أريد أن أنقذه.
كنت أريد أن أراه ينقذ نفسه.
لا لأنني لا أستطيع أن أمد يدي، وإنما لأنني أعرف أن اليد التي تنقذ إنسانًا من الخارج لا تستطيع أن تعيش حياته بدلًا منه.
يمكنني أن أكون إلى جواره.
لكن لا يمكنني أن أكون مكانه.
يمكنني أن أحبه.
لكن لا يمكنني أن أختار عنه.
يمكنني أن أغفر.
لكن لا يمكنني أن أعفيه من مسؤوليته.
ويمكنني أن أتمنى أن يكون معي.
لكن لا يمكنني أن أجعل وجودي شرطًا لسلامه مع نفسه.
لأنني لا أريد رجلًا اختارني لأنه لم يجد طريقًا آخر.
أريده أن يختارني لأنه عرف نفسه، وعرف ما يريد، ثم وجدني في المكان الذي يريد أن يذهب إليه.
وهذا هو المعنى الذي يجعل الحب إضافة، لا خلاصًا.
فأنا لا أريد أن أكون الحل لمشكلة حياته.
أريد أن أكون جزءًا جميلًا من حياة اختار هو أن يبنيها.
وربما لهذا أيضًا، لم أكن أريد أن أجعل حياتي غرفة انتظار.
أستطيع أن أحب.
وأستطيع أن أتمنى.
وأستطيع أن أترك بابًا في قلبي مفتوحًا.
لكنني أستطيع في الوقت نفسه أن أختار نفسي.
أن أمضي دون أن أنكر ما شعرت به.
أن أضع حدودًا دون أن أكره.
أن أغفر دون أن أعود إلى المكان نفسه.
أن أترك دون أن أحوّل الرحيل إلى عقوبة.
لأن الحب الذي يجعلني أخسر نفسي حتى أحافظ على الآخر، لم يعد حبًا كاملًا.
وقد يكون أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه أن يظن أن التضحية بذاته هي الدليل الوحيد على صدق مشاعره.
ليست كذلك.
أحيانًا يكون أكثر أشكال الحب صدقًا أن تقول:
أنا أحبك، ولذلك لن أضع يدي على حقك في الاختيار.
وأحيانًا يكون أكثر أشكال احترام النفس صدقًا أن تقول:
أنا أحبك، ولذلك لن أضع حياتي كلها في انتظار أن تختارني.
وهنا يلتقي الحب بالحرية.
لا في أن أترك الآخر لأنه لا يعنيني، وإنما في أن أترك له المساحة التي تجعله قادرًا على أن يكون هو.
وأنا أيضًا أحتاج إلى المساحة نفسها.
لأنني، كما لا أريد أن أمتلكه، لا أريد أن أفقد نفسي وأنا أحبه.
اخترت ألا أمتلك من أحب.
واخترت ألا أفقد نفسي وأنا أحبه.
ولم أكن أفتش عنه وحده.
كنت أفتش عن نفسي التي تستطيع أن تحب، وتغفر، وتضع حدودًا، وتترك، وتمضي... دون أن تتخلى عن قلبها.
وربما لهذا، فإن الحب عندي لم يعد مجرد سؤال عن شخصين يريد أحدهما الآخر.
بل صار سؤالًا عن الإنسان نفسه:
ماذا يفعل حين يحب؟
هل يحاول أن يمتلك؟
هل يخاف فيسيطر؟
هل يتألم فيضغط؟
هل يخشى الفقد فيسلب الآخر حقه في الاختيار؟
أم يستطيع، رغم كل خوفه، أن يقول:
أنا أريدك، لكنني أريدك حرًا.
فإذا اخترتني، أعرف أن اختيارك لك.
وإذا لم تخترني، أعرف أن ألم ذلك لا يمنحني حقًا ليس لي.
وهذا مؤلم.
لكنه صادق.
والحب، في النهاية، لا يحتاج إلى نتيجة مصطنعة كي يثبت أنه كان حقيقيًا.
يكفي أحيانًا أن يكون قد علّمنا كيف نحب دون أن نمتلك، وكيف نغفر دون أن ننكر الحقيقة، وكيف نضع الحدود دون أن نحولها إلى انتقام، وكيف نترك دون أن نكذب على قلوبنا.
وربما لهذا، لم أكن أبحث في الحب عن إجابة لسؤال:
هل سيختارني؟
بقدر ما كنت أبحث عن سؤال أعمق:
هل يستطيع الإنسان أن يحب، ثم يظل قادرًا على أن يختار؟
فحين يجد الإنسان هذه القدرة، لا يكون قد وجد طريقه إلى الآخر فقط؛
ربما يكون قد عاد إلى المكان الأول الذي غاب عنه طويلًا:
إلى نفسه.
ولهذا، تحيةٌ لكل إنسانٍ استرد صوته بعد أن طال صمته، ولكل قلبٍ تجرأ أن يعترف بما يشعر به دون أن يخجل منه، ولكل روحٍ أدركت أن حقها في الاختيار لم يكن يومًا منحةً تنتظرها، بل شيئًا يسكنها منذ أن وُجدت.
تحيةٌ لمن استطاع أن يقول، ولو بصوتٍ خافت:
أنا أريد.
أنا أختار.
وأنا أتحمل ما اخترت.
تحيةٌ لمن لم يعد يخاف من نفسه حين يعرف ما يريد، ولم يعد يحتاج إلى أن يختبئ خلف رغبات الآخرين كي يشعر بالأمان.
وتحيةٌ للحب أيضًا؛ حين يكون نقيًا بما يكفي لأن يقول للآخر:
اذهب إلى نفسك أولًا، ثم عد إليّ إن وجدتني هناك.
فربما لا يكون أجمل ما في الحب أن نجد من نريد،
بل أن نصل إليه ونحن ما زلنا نملك أنفسنا.
وربما، في اللحظة التي يختار فيها الإنسان حياته بيده، دون خوفٍ أو إكراهٍ أو خداع، لا يكون قد اختار طريقه فحسب؛
بل يكون قد اختار نفسه للمرة الأولى.
لأن في الحب، حين يُسلب الاختيار، لا يكون انتصار…
بل انتحار.
بقلم أسماء فؤاد(٢٢٢)

تعليقات
إرسال تعليق