التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لم تُغلق الأبواب، لم ينتهِ الأمر بعد!

 



لم تُغلق الأبواب، لم ينتهِ الأمر بعد


﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[الزمر: 53].


يظل الإنسان حيًا ما دام يجري في دمه الأمل في الله، ويلحقه الإرادة، وتثبته العزيمة. فالأمل وحده لا يكفي للحياة دون أن يوازيه عزيمة، والعزيمة تظل حلمًا إن لم تحققها الإرادة، ولن يخرج الإنسان من جحيمه، ولن يغير من وضعه شيئًا، ولن يتقدم خطوة إلى الأمام، إن لم يحاول أن يستخدم ما لديه من أمل وعزيمة وإرادة إلى فعل حقيقي.


﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.


وليس بالضرورة أن يكون معنى أن الله يخبرنا بأن نغيّر ما بأنفسنا، أن هناك بالضرورة شيئًا سيئًا بداخلنا نحتاج إلى تغييره. فالأمر لا يتوقف عند ذلك فقط، بل يستمر بأن نغيّر الظلام الذي بداخلنا بالنور الذي يقابله في نفوسنا؛ أن نستخدم الخير الموجود فينا لنواجه به ما يؤلمنا وما يعطلنا، وأن نستمر في تلك المواجهة الداخلية بين الظلام والنور، حتى ينتصر النور فينا على ما يحاول أن يطفئه.


أن يكون لدينا أمل في الله، ونحاول أن نحارب فكرة اليأس، وأن تكون لدينا عزيمة وإرادة نستخدمهما في تغيير الظلام الذي بداخلنا بالنور الذي يقابله في نفوسنا، وفي الخروج من الظلام الذي نعيش فيه، ومن الخيبة والتيه، ومن جحيم الواقع الذي نعيشه، أيًا كان هذا الواقع، وأيًا كانت المرحلة التي وصلنا إليها، حتى وإن وصلت أفكارنا أو وساوسنا إلى مرحلة النهاية أو إلى نقطة (مفيش حل)!


ففكرة اليأس تقول لنا: خلاص، كل شيء انتهى. الصورة لم يعد لها حل. الأمور أصبحت أكبر من قدرتنا على تغييرها، وخارجة عن إرادتنا.


لكن الأمل في الله يقول شيئًا آخر: ما زالت هناك حلول مطروحة، وما زالت هناك محاولات لم نقم بها، وما زال علينا أن نحاول.


والأمل وحده لا يكفي. لا بد أن تصاحبه العزيمة؛ تلك الرغبة في أن نحاول ونخرج مما نحن فيه، ثم تأتي الإرادة لتمنح هذه العزيمة طريقًا إلى الفعل. فنستخدم النور الموجود بداخلنا لكي نواجه به الظلام الذي بداخلنا، ونخرج به من الظلام الذي نعيش فيه.


وربما يساعدنا الله فنرى النتيجة ونحن نغيّر، فتكون رؤية النتيجة نفسها رسالة تمنحنا القدرة على الاستمرار؛ أن ما نفعله يُحدث فرقًا، وأننا نسير في الاتجاه الصحيح، وأن بإمكاننا أن نكمل.


فالتغيير لا يأتي من خطوة واحدة، ولا من أول محاولة، ولا من ثاني خطوة، ولا من ثاني محاولة. وإنما يظل الإنسان حيًا ما دام لديه أمل وعزيمة وإرادة؛ حيًا لأنه يحاول، ويصحح، ويعيد المحاولة، ويستمر في مواجهة ظلامه بالنور الذي بداخله، وفي الخروج من الظلام الذي هو فيه، ويكمل طريق تغيّره.


ولا يتوقف الأمر عند أول محاولة، ولا عند عدد معين من المحاولات، ولا عند عدد معين من تجارب الفشل، فنقول: لا، خلاص، نتوقف.


كل شيء في حياتنا نمر به له مجاله، وله حق المحاولة، طالما ونحن نحاول لدينا أمل في الله، ولدينا عزيمة، ولدينا إرادة، ونرى أثناء محاولاتنا إشارات من الله وتوفيقًا يجعل الأمور تتحول إلى الأفضل.


طالما هذا موجود مع محاولاتنا، نكمل المحاولات.


أما إذا كنا نحاول في شيء ونرى أن الأمور تتحول إلى الأسوأ، فهنا نحتاج أن نتوقف لحظة ونراجع: هل الطريقة التي نحاول بها خاطئة؟ هل نحتاج إلى تغيير طريقة المحاولة؟ أم أن الشيء نفسه لم يعد يستحق المحاولة، وحان الوقت لأن نبدأ في النظر إلى اتجاه آخر؟


وحتى البحث عن الطريقة الصحيحة للمحاولة، وهل هذه هي الطريقة التي ينبغي أن نستمر بها أم نحتاج إلى تغييرها، هو في حد ذاته نوع من المحاولة.


وقد تكون هذه هي الإشارة التي نحتاج إليها: لا تتوقف عن المحاولة، ولكن غيّر الطريقة التي تحاول بها. لا تغيّر بالضرورة الشيء الذي تحاول الوصول إليه، وإنما غيّر الطريقة، سواء كانت ( طريقة التفكير، التحليل، رؤيتك للأمور، اسلوبك في الفعل ورد الفعل).


فالمحاولة ليست دائمًا أن تكرر الشيء نفسه بالطريقة نفسها، وإنما أحيانًا تكون المحاولة الحقيقية أن تملك الشجاعة لتقول: هذه الطريقة لم تنجح، فلأجرب طريقة أخرى.


ما تستسلمش لليأس


يونس عليه السلام كان في بطن الحوت، يعاصر ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ومع ذلك لم ييأس، ولم ينقطع أمله في الله، وتمسك به وقال:


﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.


فكان الرد:


﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.


وموسى عليه السلام، كان يحمل فوق كتفيه مسؤولية ثقيلة، وأمامَه قوم، وخلفَه خطر، ولا يبدو في المشهد طريق واضح للنجاة. لم يكن هناك مخرج ظاهر، ولا سبيل واضح يعرف من خلاله ماذا يفعل أو إلى أين يتجه.


ومع ذلك، لم يكن اليأس هو اختياره.


جاءه الأمر أن يتوجه إلى البحر، وفي اللحظة التي يبدو فيها البحر نهاية الطريق، أصبح البحر نفسه هو الطريق.


﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.


فالله الذي لا نرى نحن قدرته على تغيير المشهد، يرى من حيث لا نرى، ويفتح من حيث لا نتوقع، ويخلق للإنسان مخرجًا حين يظن أن الطريق انتهى.


ويوسف عليه السلام عاش سلسلة طويلة من الابتلاءات والتحديات. بدأ الأمر بإخوته الذين ألقوه في البئر، ثم انتقل إلى الغربة، ثم إلى السجن، وواجه الفتنة، وفقد أشياء كثيرة كان من الممكن أن تجعله ييأس من أن تتغير حياته.


لكنه لم يسمح لما يحدث حوله أن يهز ما بداخله.


تمسك بالله، وجاهد نفسه، واستغفر، وصبر، واستخدم عزيمته وإرادته، وظل مؤمنًا بأن الله يرى ما لا يراه هو.


حتى انتهت القصة في المكان الذي لم يكن أحد يتخيله في بدايتها.


من البئر إلى السجن، ومن السجن إلى خزائن مصر.


عاد إليه أخوه، واجتمع بأهله، ورُدَّ إلى أبيه، وعاد بصر أبيه، واجتمعت الأسرة بعد سنوات من الفقد والظلم والانكسار.


ولم تكن معجزات الأنبياء وقصصهم موجودة لكي نحفظها ونحكيها كقصص من الماضي أو كحكايات قبل النوم.


هي موجودة لتقول لنا شيئًا حيًا:


أن الظلام الذي تراه الآن ليس بالضرورة نهاية الطريق.


وأن عدم رؤيتك للحل لا يعني أن الحل غير موجود.


وأن شعورك بأن كل الأبواب أُغلقت لا يعني أنها أُغلقت فعلًا.


لكن الأمل في الله وحده لا يعني أن نجلس وننتظر.


الأمل يحتاج إلى عزيمة، والعزيمة تحتاج إلى إرادة، والإرادة لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى فعل.


فلا يكفي أن تقول: «يا رب أنقذني»، ثم تظل واقفًا في المكان نفسه.


اسأل الله، وتمسك به، ثم تحرك.


حاول، وإن فشلت غيّر طريقتك وحاول مرة أخرى. راجع نفسك، صحح أخطاءك، استغفر، وتعلم، واستمر.


فربما تكون الإشارة التي تنتظرها ليست أن يختفي الطريق الصعب أو ينتهي من تلقاء نفسه لمجرد أنك شخص مؤمن فدعوت الله؛ فإن الأمور لا تأتي بالتوكل على الله فقط، وإنما تأتي بالتوكل على الله والسعي، فسعَ.


والإشارة ليست أن الطريق الصعب أمامك يجب أن يتغير إلى طريق أسهل؛ فهذه ليست بالضرورة إشارة، وإنما قد تكون صورة أخرى من الهروب واليأس.


الإشارة ربما تكون في أن تكتشف أنك تحاول حل أمورك الصعبة بالطريقة التقليدية القديمة نفسها، وأن عليك أن تغيّر طريقتك وأنت تحاول، وأن تستخدم المفتاح المناسب لحل أمورك.


فربما لا يكون المطلوب أن يتغير الطريق، وإنما أن تتغير طريقتك في السير فيه.


وعندما تستخدم المفتاح المناسب، قد تكتشف أن الشيء الذي كان يبدو لك صعبًا لم يعد يبدو بالصعوبة نفسها وأنت تحاول.


ما تيأسش. خلي عندك أمل، وخلي عندك قوة وإرادة وعزيمة، واتحرك.


بقلم: أسماء فؤاد (٢:٢٢).

أسال الله أن يتجاوز عن اخطائي، ويرشدني خير السبيل.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التطوير العقاري

    مفهوم التطوير العقاري   التطوير العقاري هو عملية تحويل الأراضي الخام أو المباني القديمة إلى عقارات قابلة للاستخدام. ويشمل ذلك شراء الأراضي أو المباني والتخطيط والتصميم والبناء والتسويق وبيع أو تأجير العقارات .   ويلعب التطوير العقاري دورًا مهمًا في الاقتصاد، حيث يساهم في خلق فرص العمل وزيادة الاستثمارات وتحسين جودة الحياة .   ويمكن تصنيف التطوير العقاري إلى نوعين رئيسيين :   التطوير العقاري السكني: ويشمل بناء وبيع أو تأجير الشقق والفيلات والعمارات السكنية . التطوير العقاري التجاري: ويشمل بناء وبيع أو تأجير المكاتب والمحلات التجارية والمولات التجارية والفنادق والمراكز الترفيهية . وهناك أيضًا أنواع أخرى من التطوير العقاري، مثل التطوير العقاري الصناعي والتطوير العقاري الزراعي والتطوير العقاري السياحي .   وفيما يلي بعض مراحل التطوير العقاري :   دراسة السوق: في هذه المرحلة، يقوم المطور العقاري بإجراء بحث شامل عن السوق العقاري لتحديد أفضل موقع للمشروع ونوع العقار الذي يلبي الطلب في السوق . الحصول على التمويل: يحتاج ال...

مراحل تطور الإدارة العامة (1)

الجزء الأول :  سوف نتطرق فى بحثنا هذا وفى هذا الجزء بالتحديد  إلى التعريف بفهموم الإدارة كجملة حتى يتسنى لنا إستخلاص تفصيل لمفهوم الإدارة العامة والبحث فى مراحل تطورها ,, أولاً : مفهوم الإدارة: تقتضى الحاجة العلمية لأي موضوع من الموضوعات العناية بتحديد مسميات الألفاظ والمفاهيم المستخدمة، وللإدارة معنيان: أحدهما لغوي ، والآخر فني (اصطلاحي). معنى الإدارة Administration في اللغة: تقديم الخدمة للغير ، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية minister tad المكونة من مقطعين ، أي تقديم العون للآخرين. كما تعني الترتيب والتنظيم الخاص الذي يحقق أهدافاً معينة، كما تعني الإدارة النظام أو الانتظام ، فالإدارة الناجحة سر نجاح الدول في كل مكان وزمان ، وما سادت الحضارات إلا بالإدارة فكرا وتطبيقا، وما بادت إلا بالفوضى، وهذا نقيض للإدارة لأن الإدارة تعني النظام أو الانتظام. معنى الإدارة في الاصطلاح (فني): تعريف الإدارة من الأمور التي ليس هناك إجماع على تحديدها، ويتضح ذلك من خلال استعراض عدد من التعريفات ، ذلك لأن الإدارة من العلوم الاجتماعية ، ولأن مفهومها واسع ، ولأنها ليست مجرد مصطلح ، وإنما...

هكذا يجب أن نكون .. صادقين .. هذه البداية

من الصفات المقدسة فى طبيعة العلاقات بين الخلائق هو الصدق، فوجود الصدق يقوى الترابط والألفة والراحة بين القلوب ويعزز الإيمان، وكلما ابتعد المرء عن الصدق اهترئت العلاقة وذبلت كل المعانى الجامعة التى تربطه بأى شىء صحيح، وضاعت كل الصور النقية فى مستنقعات الشيطان، وسبحان الله فإن الصدق من الصفات الحميدة التى تجدها بدايات لكل خير وسلامة، ولا سلامة أفضل من سلامة الروح والنفس من السوء . إن الصدق علامة الهدى و الإيمان وإلزامُ للتقوى فيقول الله تعالى فى كتابه الكريم: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}[ التوبة 119] فقد أمر الله للمؤمنين الذين آمنوا به وبرسوله حق الإيمان بأن يتقوا ويصدقوا فيكونوا من الصادقين وهذا هو شرط الإيمان، أن تتقى الله وتصدق القول والفعل.   ويقول روسولنا الحبيب المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) : "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ". وها هو ن...