حين يصبح الاستفزاز محركًا للسلوك
أحيانًا لا تكون المشكلة في الاستفزاز نفسه، وإنما في الطريقة التي نتعلم بها الاستجابة له.
فالاستفزاز في صورته البسيطة قد يبدو مجرد محاولة لإغضاب شخص أو دفعه إلى الانفعال. لكن إذا تكرر داخل علاقة أو داخل أسرة، يمكن أن يتحول تدريجيًا من مجرد سلوك عابر إلى آلية لإدارة الآخرين وتحريك سلوكهم.
تبدأ الدائرة غالبًا بشيء بسيط:
استفزاز → رد فعل → قراءة رد الفعل → استفزاز جديد → سلوك أو قرار → ثم إعادة إنتاج الدائرة.
الشخص لا يستفز الآخر بالضرورة لأنه يريد إيذاءه فقط. أحيانًا يريد أن يعرف: ماذا يشعر؟ ماذا يفكر؟ إلى أي مدى يمكن دفعه؟ ماذا سيفعل؟ هل سيغضب؟ هل سيتراجع؟ هل سيقترب؟
وهنا يصبح رد الفعل نفسه «معلومة».
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الوصول إلى هذه المعلومة معتمدًا دائمًا على الاستفزاز.
بدلًا من أن أسأل الإنسان مباشرة، أستفزه لأرى ماذا سيفعل.
وبدلًا من أن أفهم موقفه من كلامه، أضعه في موقف يدفعه إلى إظهار موقفه.
وبدلًا من أن أتركه يتخذ قراره بحرية، أصنع له ظرفًا انفعاليًا، ثم أراقب القرار الذي سيخرج منه.
مع الوقت، قد لا يعود الأمر مجرد استفزاز بين شخصين، بل يتحول إلى آلية من آليات إدارة العلاقة.
من الاستفزاز إلى التحكم
في العلاقات الصحية، أستطيع أن أطلب المعلومة، وأن أعبّر عن احتياجي، وأن أختلف، وأن أرفض، من دون الحاجة إلى صناعة اختبار مستمر للطرف الآخر.
أما في العلاقة التي تعتمد على الاستفزاز، فقد يصبح السؤال غير المعلن:
كيف أجعله يفعل شيئًا لكي أعرف ما بداخله؟
وهنا يتحول الإنسان من طرف في العلاقة إلى مستجيب لمحفزات الطرف الآخر.
قد لا يشعر الشخص أنه يتم التحكم فيه، لأنه في النهاية هو الذي اتخذ القرار.
لكن هناك فرق كبير بين:
أنا رأيت الواقع، وفهمته، ثم قررت.
وبين:
أحدهم استفزني، فدفعني إلى الاستجابة، ثم اعتبرت قراري مستقلًا تمامًا.
القرار في الحالتين صدر مني، لكن مصدر الحركة مختلف.
وهنا تظهر واحدة من أخطر النتائج: أن الإنسان قد يظن أنه شديد الاستقلال، بينما هو في الحقيقة شديد الاستجابة.
عندما تصبح عوامل وأدوات الاستفزاز آلية من آليات إدارة استقرار الأسرة وبقائها وتماسكها
الأسرة لا تعتمد على آلية واحدة في إدارة أفرادها.
قد توجد آليات مختلفة: العنف، والضغط، والتهديد، والانسحاب، والصمت، وإثارة الشعور بالذنب، والاستفزاز، وغيرها.
والاستفزاز هنا لا يعني بالضرورة العنف؛ فالعنف في جوهره سلوك عدائي واضح ومباشر، بينما قد يعمل الاستفزاز بطريقة أكثر التواءً: أن يدفع شخصًا آخر إلى أن يفعل شيئًا، ثم يتركه يتحمل نتيجة ما فعله.
وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما تُستخدم عوامل وأدوات الاستفزاز كآلية من آليات إدارة استقرار الأسرة وبقائها وتماسكها.
عندها لا يعود الاستفزاز مجرد سلوك بين أفراد، وإنما يصبح جزءًا من طريقة عمل النظام الأسري نفسه.
إذا اكتشف شخص مثلًا أن رفع صوته يجعل الآخرين يتراجعون، فسوف يتعلم أن الصوت العالي أداة فعالة.
وإذا اكتشف آخر أن الانسحاب يجعل الآخرين يلاحقونه، فقد يتعلم الانسحاب.
وإذا اكتشف ثالث أن الغضب يفرض عليه ما يريد، فسيتعلم الغضب.
وإذا اكتشف رابع أن الظهور بمظهر الضعيف أو المسكين يمنحه حماية لا يحصل عليها بالمواجهة، فقد يتعلم هذا الدور.
وهكذا لا تكون الأسرة بالضرورة تحت سيطرة شخص واحد.
قد يصبح كل فرد فيها صاحب «أداة» مختلفة.
واحد يضغط بالغضب.
وآخر بالانسحاب.
وثالث بالصوت العالي.
ورابع بالصمت.
وخامس بالاستفزاز.
والنتيجة الغريبة أن الجميع قد يبدو مستقلًا، بينما الجميع في الوقت نفسه يحرّك بعضه بعضًا.
فتنشأ شبكة معقدة من التأثير المتبادل، لا مركز واحد لها.
عندما تصبح الاستجابة بديلًا عن القرار
المشكلة لا تتوقف عند تحريك السلوك.
فالإنسان يتشكل جزء كبير من هويته من خلال قراراته.
والمسؤولية لا تبدأ بعد القرار، وإنما تبدأ من اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه هو صاحب القرار.
المسؤولية تحتاج إلى شخص لديه الإدراك الكافي لمعنى المسؤولية وحدودها: من نقطة رؤية الواقع وتحديد الخيارات، إلى اتخاذ القرار، وتحديد آليات تنفيذه، ثم تحمل نتائج القرار وعواقب الأفعال التي ترتبت عليه.
فالقرار ليس مجرد رأي خرج بصوت مسموع.
القرار شيء يتحول على أرض الواقع إلى أثر مادي ملموس، وقد يترتب عليه مكسب أو خسارة، نجاح أو فشل، وأحيانًا نتائج لا يمكن التراجع عنها.
ولهذا فإن ربط الإنسان قراره بمسؤوليته يعطي القرار قيمته، ويعطي الإنسان نفسه قيمة.
فالإنسان لا يبني هويته فقط بما يقوله عن نفسه، وإنما أيضًا بما يقرره، وبما يفعله، وبقدرته على تحمل نتائج ما اختاره.
وكلما كانت قرارات الإنسان أكثر رجاحة، وأكثر قدرة على الاقتراب من النتائج التي يستهدفها، ظهرت فيه صفات مثل الاتزان، والمرونة، والمنطقية، والقدرة على ضبط الانفعال.
أما حين يصبح القرار تابعًا للاستفزاز، أو للخوف، أو لضغط الآخرين، أو لمحاولة إثبات الذات، فإن الإنسان قد يفقد تدريجيًا العلاقة بين قراره وبين مسؤوليته عن القرار.
وهنا تبدأ مشكلة أكبر من مجرد اتخاذ قرار خاطئ.
يبدأ الإنسان في فقدان ملكيته النفسية لقراراته.
عندما يصبح الآخر «أداة قرار»
الإنسان الذي يتعود أن يحصل على نتيجة دون أن يدفع ثمنها، قد يتعلم أن يحرك الآخرين بدلًا من أن يتحمل بنفسه.
وفي الأسرة تحديدًا، تكون القدرة على ذلك أكبر؛ لأن أفراد الأسرة يعرفون بعضهم بعضًا بدرجة تسمح لهم بقراءة نقاط الضعف، وأنماط التفكير، ومواطن الخوف، ومفاتيح الاستجابة.
وبالتالي يستطيع أحدهم، أحيانًا بسهولة شديدة، أن يستفز الآخر بطريقة تجعله يختار ما يريده هو، بينما يظل الشخص المستفَز مقتنعًا بأنه صاحب الاختيار.
وهنا يصبح الآخر أشبه بـ أداة تنفيذ لقرار لم يتخذه فعليًا.
إذا نجح القرار، يظهر صاحب الفكرة:
«أنا كنت بنصحك، وأنا اللي كنت شايف صح.»
فيحصل على الفضل، والتقدير، وإثبات صحة رأيه.
أما إذا فشل القرار، يتغير المشهد:
«أنا قلتلك، لكن إنت اللي اخترت.»
وبذلك يصبح النظام مصممًا بصورة غريبة تسمح للشخص أن يحصل على مكافأة النجاح، بينما يتخلص من مسؤولية الفشل.
وهذا ليس مجرد تهرب من المسؤولية؛ إنه مع الوقت يُفسد عملية التعلم نفسها.
لأن الإنسان الذي لا يتحمل نتائج قراراته لا يتعلم منها بصورة كاملة.
من لغة التقدير إلى لغة اللوم
ويزداد الأمر خطورة عندما تصبح لغة التواصل داخل الأسرة قائمة أساسًا على النقد، واللوم، والإنكار، وإثبات الخطأ.
عندما لا يقول أفراد الأسرة لبعضهم:
«أنت عملت شيئًا جيدًا، وشكرًا عليه.»
ولا يعترف أحدهم بمساهمة الآخر إلا نادرًا، بينما تصبح العبارات الأكثر حضورًا:
«أنا حذرتك.»
«إنت السبب.»
«أنا قلتلك.»
«إنت ما بتعرفش مصلحتك.»
فإن الأسرة لا تعود تبني علاقة قائمة على التقدير المتبادل، وإنما علاقة قائمة على توزيع اللوم.
وهنا يصبح كل فرد مشغولًا بإثبات براءته بدلًا من إصلاح الخطأ.
وبإثبات أنه كان على حق بدلًا من البحث عن الحل.
وبالحصول على الفضل بدلًا من مشاركة النجاح.
الأزمة الحقيقية تكشف كل شيء
لكن أخطر اختبار لهذا النظام يأتي عندما تواجه الأسرة أزمة حقيقية.
ليس خلافًا عابرًا، ولا مشكلة يمكن تأجيلها، وإنما أزمة تمس وجود الأسرة نفسها، أو تهدد كيانها واستمرارها وتماسكها.
هنا تصبح الأزمة اختبارًا حقيقيًا لكل ما تعلنه الأسرة عن نفسها:
القيم، والترابط، والتكافل، والمسؤولية، والتراحم، والوقوف إلى جانب بعضهم البعض.
لأن الأزمات الحقيقية لا تختبر الكلام الذي تقوله الأسرة عن نفسها، وإنما تختبر النظام الذي تعمل به فعلًا.
وفي هذه اللحظة قد تظهر المفارقة كاملة:
الجميع لديه حلول.
الجميع لديه آراء.
الجميع قادر على اكتشاف أخطاء الآخرين.
لكن عندما تصل اللحظة التي يجب فيها اتخاذ قرار واضح، وتحديد من سينفذه، ومن سيتحمل مسؤوليته، تبدأ الحركة في الاتجاه المعاكس.
تبدأ التراجعات.
والانسحابات.
وتبادل النظر.
وإلقاء المسؤولية.
وكأن الأسرة كانت تتدرب طوال الوقت على إدارة بعضها البعض، لكنها لم تتدرب على إدارة أزمة حقيقية.
الأسرة قد تخسر قبل أن تبدأ
وهنا تظهر خطورة الأمر بصورة أكبر.
عندما يكون هذا هو نظام العمل الداخلي للأسرة، فإن مجرد مواجهة الأزمة قد يكشف هشاشة البناء قبل أن تحصل الأسرة أصلًا على فرصة حقيقية للتفاعل مع الأزمة.
فالأسرة تحتاج في الأزمة إلى أن تقرأ المتغيرات بسرعة، وأن تعيد تقييم ما لديها من معلومات، وأن تنتج حلولًا، وأن تختار من بينها، ثم تتحرك قبل انتهاء الوقت المتاح.
أما إذا كان النظام الداخلي قائمًا على الاستفزاز وردود الأفعال وإلقاء المسؤولية، فسوف تستغرق الأسرة وقتًا طويلًا في التشتت والصدامات والتشحنات ومحاولات تحديد «من المخطئ» و«من كان رأيه صحيحًا».
وفي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الأسرة قد بدأت التعامل مع الأزمة، تكون هي نفسها قد أصبحت جزءًا من الأزمة.
وقد يأتي موعد اتخاذ القرار الحاسم — الـ deadline — قبل أن تتمكن الأسرة أصلًا من الوصول إلى قرار.
وحتى إذا وصلت في النهاية إلى القرار الصحيح، فقد يكون الأوان قد فات.
فالأزمة التي كان يمكن احتواؤها قد تكون تحولت إلى كارثة.
الأزمة لا تصنع هشاشة الأسرة، لكنها تكشفها
الأزمة الحقيقية لا تأتي بالضرورة لتفكك الأسرة.
أحيانًا تأتي فقط لتكشف أن البناء الذي كانت تقف عليه لم يكن متماسكًا كما يبدو.
فالصورة الخارجية قد توحي بالترابط.
قد يكون الجميع موجودًا.
الجميع يتحدث عن الأسرة.
الجميع يؤكد أنه يريد مصلحتها.
لكن عندما تأتي الأزمة وتضرب هذا البناء، تبدأ الشقوق الموجودة أصلًا في الظهور.
وإذا كان الأساس هشًا، فإن الصدمة لا تكشف الشقوق فقط؛ بل قد تؤدي إلى تفكك البناء نفسه.
وعندها لا تكون المشكلة أن الأسرة لم تجد الحل في الوقت المناسب فحسب.
بل أن التصادمات الداخلية التي سبقت الوصول إلى الحل قد تكون مزقت الأسرة ماديًا ونفسيًا واجتماعيًا، حتى يصبح الكيان الذي كان يفترض أن يواجه الأزمة غير موجود بالصورة التي تسمح له بمواجهتها.
ماذا لو كان النظام نفسه يحتاج إلى إعادة بناء؟
ربما تكون بعض الأزمات بمثابة امتحان نهاية السنة.
إذا كانت الأسرة قد بنت نظامًا صحيًا، فقد تخرج من الأزمة أقوى.
تختلف، وتناقش، وتخطئ، ثم تتعلم.
وقد تصبح الأزمة تجربة تضيف إلى خبرتها بدلًا من أن تهدمها.
أما إذا فشلت، فالمشكلة ليست دائمًا أنها أخطأت في الإجابة.
أحيانًا تكون المشكلة أن الأساس الذي يفترض أن تنتج منه الإجابة لم يكن قد نضج أصلًا.
وفي هذه الحالة لا يكفي أن نقول للأسرة:
«حاولوا مرة أخرى.»
لأنها قد لا تكون بحاجة إلى إعادة السنة.
قد تكون بحاجة إلى العودة إلى أبعد من ذلك.
إلى المكان الذي بدأت فيه قواعد العلاقة نفسها بالتشكل.
إلى الطفولة.
إلى اللحظة التي تعلم فيها كل فرد كيف يحصل على ما يريد.
كيف يحمي نفسه.
كيف يضغط.
كيف ينسحب.
كيف يستفز.
وكيف يهرب من المسؤولية.
فإذا كان الإنسان قد تعلم منذ البداية أن الآخرين هم الذين يحركونه، أو أنه يستطيع تحريك الآخرين بدلًا من اتخاذ قراره وتحمل مسؤوليته، فلن يكون من السهل أن نطلب منه، عند الكبر، أن يصبح فجأة شخصًا قادرًا على إدارة أزمة تهدد وجود أسرته.
ولهذا فبعض الأزمات لا تكون مجرد اختبار للأسرة.
إنها امتحان لنظامها كله.
وقد يكون النجاح فيها دليلًا على أن الأسرة استطاعت أن تتعلم من تاريخها.
أما الفشل، فقد يكشف أن المشكلة لم تبدأ يوم وقوع الأزمة أصلًا.
كانت موجودة قبلها بسنوات.
وكانت تنتظر فقط اللحظة التي تأتي فيها الأزمة لتقول بوضوح:
الأساس الذي لم يُبنَ على نحو صحيح، لا تستطيع الأزمة أن تخفيه.
قد يبدأ الاستفزاز كفعل مقصود من شخص يريد أن يحرك من حوله، أو يدفعهم إلى سلوك معين، أو يحصل منهم على استجابة تحقق له مصلحة ما. وفي البداية يبدو الأمر وكأنه مجرد وسيلة: أستفزك، فتتحرك؛ أضغط عليك، فتستجيب؛ أثير شيئًا فيك، فأحصل على ما أريد.
لكن ماذا يحدث عندما يكتشف الشخص أن هذه الوسيلة تنجح معه مرة بعد مرة؟
هنا تبدأ لعبة الاستفزاز.
فالوسيلة التي كانت في البداية مجرد اختيار، تتحول بالتكرار إلى آلية، ثم إلى عادة، ثم إلى اعتقاد. يبدأ الشخص في ربط الاستجابة بالاستفزاز، فيشعر تدريجيًا أن هذا هو الوقود الذي يحركه، وأنه لا يتحرك، ولا يحصل على الرضا، ولا يشعر بالتأثير إلا عندما يكون هناك شيء يستفزه.
وهكذا يدخل الطرفان في دائرة مغلقة: مستفز ومستفَز، كل واحد منهما يغذي الآخر دون أن ينتبه بالضرورة إلى أنه أصبح جزءًا من اللعبة.
والأخطر أن الاستفزاز، مع الوقت، قد يتوقف عن كونه فعلًا صادرًا عن أحدهما تجاه الآخر، ويبدأ في تكوين كيان خاص به داخل العلاقة.
كأن الاستفزاز أصبح طرفًا ثالثًا.
لم يعد السؤال: من استفز من؟
بل أصبح الاستفزاز نفسه حاضرًا في العلاقة، ينتظر لحظته، ويعيد إنتاج نفسه. يتحرك أحدهما لأنه استفُز، ثم يصبح سلوكه الجديد سببًا في استفزاز الآخر، فيرد الآخر، فيستفز الأول من جديد، وتستمر الدائرة.
وفي لحظة ما، قد لا يعود الشخص بحاجة إلى أن يكون هو المستفز أصلًا؛ فقد أصبح هو نفسه مستجيبًا للاستفزاز، ثم يتعلم منه. وما تعلمه في علاقته السابقة قد يبدأ في ممارسته على شخص آخر أضعف منه، فيتحول من مستفَز إلى مستفز، ومن ضحية للعبة إلى لاعب فيها.
وهكذا تنتقل اللعبة.
من شخص إلى شخص، ومن علاقة إلى علاقة، ومن جيل إلى جيل أحيانًا.
حتى يمكن أن تصل إلى مرحلة لا يعود فيها الاستفزاز سلوك شخص بعينه، وإنما يصبح طابعًا للعلاقة نفسها، أو طابعًا لدائرة كاملة من العلاقات، بل وربما طابعًا داخل الأسرة.
عندها يصبح الاستفزاز أشبه بقوة خفية فوق الأشخاص؛ كأنه كيان مستقل لا يحتاج إلى شخص واحد كي يستمر، لأنه تعلم كيف يعيد إنتاج نفسه من خلال الجميع.
كل شخص يأخذه إلى مكان مختلف، ويؤديه بطريقة مختلفة، لكنه في النهاية يظل جزءًا من اللعبة نفسها.
وربما هنا تحديدًا تكمن خطورة الاستفزاز:
أننا قد نبدأ باستخدامه لتحقيق شيء نريده، ثم ننتهي بأن نعيش داخله، ونصبح نحن أنفسنا أدوات في لعبة لم نعد نعرف متى بدأت، ولا من الذي يديرها.


تعليقات
إرسال تعليق