إشارة
أحيانًا لا يأتي التغيير في صورة قرار.
يأتي أولًا في صورة إشارة.
إحساس لا تعرف له اسمًا،
عدم رضا يتكرر،
اختناق لا تعرف سببه،
عثرة بعد أخرى،
رغبة مفاجئة في أن تفعل شيئًا مختلفًا،
فكرة تأتيك في لحظة لم تكن تبحث فيها عن إجابة.
وقد تكون الإشارة شيئًا أكثر وضوحًا؛
حدثًا يحدث فعلًا في حياتك، ويضعك أمام حقيقة لم يعد بإمكانك تجاهلها.
لكن الإشارة لا تأتي دائمًا واضحة.
أحيانًا تبدأ صغيرة جدًا.
يكون الإنسان في مرحلة من حياته يشعر فيها بالاكتفاء، أو على الأقل يشعر أن الأمور مستقرة ومقبولة. ثم تحدث عثرة صغيرة في جانب من حياته؛ شيء لا يسير كما يريد في عمله مثلًا.
ثم تحدث عثرة أخرى في البيت.
ثم شيء آخر في علاقة، أو في نفسه، أو في حياته عمومًا.
كل عثرة في البداية تبدو منفصلة عن الأخرى، لكن مع الوقت تبدأ هذه الأشياء كلها في تكوين حالة عامة من عدم الرضا.
وهنا يبدأ الإنسان في السؤال:
أنا في ماذا؟
هل المشكلة في كل الناس وكل الظروف؟
هل يعقل أن يكون كل ما حولي هو المشكلة؟
أم أن هناك شيئًا فيَّ أنا؟
وهنا تبدأ أول حركة حقيقية، لكنها لا تكون حركة فعلية بعد.
يبدأ الإنسان في التفكير:
يجب أن أتحرك.
لكن جملة «يجب أن أتحرك» نفسها قد تحتاج إلى وقت طويل حتى تتحول إلى فعل؛ لأنه يبدأ في حساب المخاطر، والتفكير في النتائج، والخوف من خسارة الموجود، وحساب احتمالات المجهول.
إلى أن يصل عدم الرضا إلى نقطة أخرى.
لم يعد مجرد عدم رضا.
يصبح هناك إحساس ملحّ بأن الاستمرار كما هو لم يعد ممكنًا؛ وأن عدم الحركة نفسها أصبحت لها تكلفة، وأن الإنسان إذا ظل مكانه فقد يخسر أشياء مهمة، أو يخسر فرصة أن تصبح حياته أفضل.
وهنا تظهر الرغبة.
لكن الرغبة وحدها لا تكفي.
فالرغبة من غير إرادة وعزيمة تظل في مستوى الحلم.
يمكن للإنسان أن يقول:
أريد أن أفعل كذا.
أريد أن تصبح حياتي أفضل.
أريد أن أغيّر عملي.
أريد أن أبدأ من جديد.
لكن ما دام الأمر عند مستوى «أريد»، فهو لا يزال حلمًا.
التحول الحقيقي يحدث عندما تتحول الرغبة إلى:
سأفعل ذلك.
حتى وإن لم يكن يعرف بعد كيف سيفعله.
هنا تدخل الإرادة والعزيمة.
وهنا تحديدًا يبدأ شيء آخر في الحدوث:
يأتي الإلهام.
كأن الإنسان، بمجرد أن يحسم داخله أنه سيتحرك، حتى قبل أن يعرف الطريق، يبدأ في رؤية أشياء لم يكن يراها من قبل.
الإلهام يأتي ليقول له:
حسنًا، كيف ستفعل ذلك؟
كأن شيئًا انفتح فجأة في طريقة رؤيته.
ليس بالضرورة أن يكون الإلهام إجابة كاملة؛ فقد يكون فكرة صغيرة، أو زاوية مختلفة، أو احتمالًا لم يكن موجودًا في وعيه من قبل.
فيبدأ بالتحرك.
ومع الحركة يبدأ الإلهام في التفكك إلى خطوات.
خطوة تجيب خطوة.
والخطوة التي ينجح فيها تجعله يثق أكثر في نفسه، وفي قدرته على الحركة، وفي ذلك الإلهام الذي جاءه.
فيتحرك أكثر.
ويستلهم أكثر.
ويكتشف أكثر.
وهكذا تبدأ الدائرة:
عدم الرضا → وعي → رغبة → إرادة وعزيمة → إلهام → حركة → اكتشاف → ثقة → حركة جديدة → إلهام جديد.
الإشارة ليست دائمًا جوابا.
أحيانًا تكون فقط الشيء الذي يجعلك تسأل السؤال الصحيح.
وأحيانًا تكون هي بداية الحركة.
وأنا كمان… جاتلي إشارة. 🙂
بس…
أسماء فؤاد
من كتاب ( وأنا أفتش عنه .. وجدت نفسي )

تعليقات
إرسال تعليق